أبي طالب المكي
104
علم القلوب
الكعبة ، لا يرى مع اللّه غير اللّه . وقال الحسين بن منصور الحلاج : التوحيد هو أن تفتقد نفسك بوجود ربك ، ثم تغيب عن وجودك بفناء رؤية وجودك ، فيبقى الرب كما كان قبل كونك ، وترجع أنت إلى ما كنت [ عليه ] قبل كونك ، ثم قال : حجبوا بالاسم فعاشوا ، ولو برز [ ت ] لهم علوم القدرة لطاشوا ، ولو كشف لهم « 1 » عن الحقيقة لماتوا « 2 » ، فيا من قد سكر من رائحة الكأس ، كيف بك لو رأيتها ؟ ويا من سكر من رؤية الكأس ، كيف بك لو ذقتها ؟ ويا من سكر من ذوق الكأس ، كيف بك لو شربتها ؟ ويا من سكر من شرب الكأس ، كيف بك لو ثملت منها ؟ من لم يتحقق بالتوحيد سجد بالذل للعبيد . كما جاء في الخبر أن رجلا يدخل الجنة ، فتستقبله قهرمانة في سبعين قهرمان ، تحت كل قهرمان سبعون ألف قهرمان ، بهم من الحسن والجمال ما يعجز الواصف عن وصفه ، فيهم العبد بالسجود ، فيقال : ما لك ؟ فيقول : ظننت أنه إلهي ، فيقول : ليس هو بإلهك ، ولكنه قهرمان من قهرمانه . وبضد هذا ما جاء في وصف الموحد العارف من جملة الخبر ، أن اللّه عز وجل يتجلى لهم في غير صفته « 3 » ، فيقولون : حاشا لربنا أن يكون بهذه الصفة . وقريب من هذا الخبر ، ما روى أن اللّه جل ثناؤه إذا أقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، بعث إلى أوليائه من أهل الجنة : « أن زورونى » ، فيأتيهم الملك فيناديهم : يا أولياء الرحمن ، إن السلام يقرئ عليكم السلام ، ويأمركم أن تزوروه ، فيركبون بأجمعهم ، وينطلقون إلى اللّه ، ثم ينزلون في ظل العرش ، فيقول اللّه تعالى : « مرحبا بأوليائي ، وأحبائي ، وزواري » ، ويكشف لهم عن وجهه الكريم ، فينظرون بنوره إلى نوره ، ثم يؤمرون بالرجوع إلى منازلهم ، فترجع طائفة وتبقى طائفة ، فإذا [ مناد ] ينادى من قبل الجبار : ما لكم واقفون ؟ فيقولون : حرام علينا أن نرجع إلى غيره ، وأن نشغل عنه بسواه ، فيقول اللّه تعالى : « صدقتم ، أنا الموحد ، وأنتم الموحدون ، أهل الجنة
--> ( 1 ) في الأصل : عليهم . ( 2 ) والحقيقة التي تميت مشاهدها ، هي عودة الوجود المستعار في الإنسان إلى الوجود الذاتي الحق ، وحينئذ فلا وجود غير وجوده تعالى ، والكل فناء محض ، وعلى هذا يكون تأويل كل لفظ من هذا القبيل يرد على لسان كبير من الصوفية من الذائقين . ( 3 ) في الأصل : صفة .